ابو بكر بن طفيل
89
حي بن يقظان
القسم الثالث سلامان وآسال ذكروا ان جزيرة قريبة من الجزيرة التي ولد بها « حيّ بن يقظان » ، على أحد القولين المختلفين في صفة مبدأه ، انتقلت إليها ملة من الملل الصحيحة ، المأخوذة عن بعض الأنبياء المتقدمين ، صلوات اللّه عليهم ، وكانت ملة محاكية لجميع الموجودات الحقيقية بالأمثال المضروبة التي تعطي خيالات تلك الأشياء ، وتثبت رسومها في النفوس ، حسبما جرت به العادة في مخاطبة الجمهور . فما زالت تلك الملة تنتشر بتلك الجزيرة ، وتقوى وتظهر ، حتى قام بها ملكها وحمل الناس على التزامها . وكان قد نشأ بتلك الجزيرة فتيان من أهل الفضل والرغبة في الخير ، يسمى أحدهما آسال ، والآخر سلامان . فتلقيا تلك الملة ، وقبلاها أحسن قبول ، واخذا على أنفسهما بالتزام جميع شرائعها ، والمواظبة على جميع اعمالها ، واصطحبا على ذلك . آسال يبحث عن باطن الشرع وسلامان يحتفظ بظاهره وكانا يتفقهان في بعض الأوقات فيما ورد من ألفاظ تلك الشريعة في صفة اللّه - عز وجل - وملائكته ، وصفات المعاد والثواب والعقاب . فأما آسال ، فكان أشد غوصا على الباطن ، وأكثر عثورا على المعاني الروحانية ، واطمع في التأويل . واما سلامان صاحبه ، فكان أكثر احتفاظا بالظاهر ، وأشد بعدا عن التأويل ، وأوقف عن التصرف والتأمل . وكلاهما مجد في الاعمال الظاهرة ، ومحاسبة النفس ، ومجاهدة الهوى . وكان في تلك الشريعة أقوال تحمل على العزلة والانفراد ، وتدل على أن الفوز والنجاة فيهما ؛ وأقوال أخر تحمل على المعاشرة ، وملازمة الجماعة .